ابن كثير
36
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 45 إلى 47 ] إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 45 ) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 46 ) قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 47 ) هذه بشارة من الملائكة لمريم عليها السلام بأن سيوجد منها ولد عظيم له شأن كبير . قال اللّه تعالى : إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أي بولد يكون وجوده بكلمة من اللّه ، أي يقول له : كن فيكون ، وهذا تفسير قوله : مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ [ آل عمران : 39 ] كما ذكر الجمهور على ما سبق بيانه اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ أي يكون مشهورا بهذا في الدنيا ، ويعرفه المؤمنون بذلك وسمي المسيح ، قال بعض السلف : لكثرة سياحته . وقيل : لأنه كان مسيح القدمين ، لا أخمص « 1 » لهما ، وقيل : لأنه كان إذا مسح أحدا من ذوي العاهات برئ ، بإذن اللّه تعالى . وقوله : عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ نسبة إلى أمه حيث لا أب له . وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ أي له وجاهة ومكانة عند اللّه في الدنيا بما يوحيه اللّه إليه من الشريعة وينزله عليه من الكتاب وغير ذلك مما منحه اللّه به ، وفي الدار الآخرة يشفع عند اللّه فيمن يأذن له فيه ، فيقبل منه أسوة بإخوانه من أولي العزم ، صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين . وقوله : وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا أي يدعو إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له في حال صغره ، معجزة وآية ، وفي حال كهولته حين يوحي اللّه إليه بذلك وَمِنَ الصَّالِحِينَ أي في قوله وعمله ، له علم صحيح وعمل صالح . قال محمد بن إسحاق : عن يزيد بن عبد اللّه بن قسيط ، عن محمد بن شرحبيل ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « ما تكلم مولود في صغره إلا عيسى وصاحب جريج » وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو الصقر يحيى بن محمد بن قزعة ، حدثنا الحسين يعني المروزي ، حدثنا جرير يعني ابن حازم ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال « لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى ، وصبي كان في زمن جريج ، وصبي آخر » فلما سمعت بشارة الملائكة لها بذلك عن اللّه عز وجل ، قالت في مناجاتها رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ؟ تقول : كيف يوجد هذا الولد مني وأنا لست بذات زوج ، ولا من عزمي أن أتزوج ، ولست بغيا حاشا للّه ؟ فقال لها الملك عن اللّه عز وجل في جواب ذلك السؤال كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ أي هكذا أمر اللّه عظيم لا يعجزه شيء ، وصرح هاهنا بقوله : يَخْلُقُ ما يَشاءُ ولم يقل : يفعل ، كما في قصة زكريا ، بل نص هاهنا على أنه يخلق لئلا يبقى لمبطل شبهة ، وأكد ذلك بقوله : إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أي فلا يتأخر شيئا بل يوجد عقيب الأمر
--> ( 1 ) الأخمص : باطن القدم الذي يتجافى عن الأرض .